Skip to main content
MSF Activities at Al-Ubor Clinic, Mosul
نساء تجمعن في عيادة العبور لحضور جلسة تثقيف صحي يقدمها موظفو أطباء بلا حدود، تركز على رعاية الحمل وصحة الأم. الموصل، العراق، في أغسطس/آب 2025.
© Mohammed Ahmed/MSF

الموصل بعد ثماني سنوات من العمل: إرثٌ يصنعه الناس

نساء تجمعن في عيادة العبور لحضور جلسة تثقيف صحي يقدمها موظفو أطباء بلا حدود، تركز على رعاية الحمل وصحة الأم. الموصل، العراق، في أغسطس/آب 2025.
© Mohammed Ahmed/MSF

بعد ثماني سنوات من العمل في دعم إعادة تأهيل نظام الرعاية الصحية في الموصل، العراق، تُنهي منظمة أطباء بلا حدود مشروعها في حي العبور.

في أكتوبر/تشرين الأول 2025، سلّمنا تشغيل مركز العبور الصحي إلى جمعية الهلال الأحمر العراقي. يُمثّل هذا التسليم نموًا في قطاع الرعاية الصحية وانتقالًا ناجحًا من الاستجابة للطوارئ إلى رعاية صحية مستدامة بقيادة محلية.

خرجت الموصل من الحرب وهي تواجه أحد أكبر الانهيارات الصحية في تاريخها الحديث. فقد دُمّر نحو 70 في المئة من البنية التحتية الصحية أو توقفت بالكامل عام 2017، فيما كانت المستشفيات خارج الخدمة والكوادر منهكة أو نازحة، والتجهيزات شبه معدومة. في هذا السياق الحرج، بدأت فرق أطباء بلا حدود استجابتها في مدينة تعاني من فجوات هائلة في الخدمات الطبية الأساسية.

وعندما يسترجع العاملون الصحيون تلك المرحلة، وجدناهم يكررون القول: "لم يكن النظام الصحي قادرًا على الوقوف وحده". وهنا تشكّل الدور الأول للمنظمة: سد فجوة طارئة، ثم وضع أسس مهنية تساعد النظام الصحي على النهوض من جديد.

وفي هذا الصدد، يستعيد منسّق مشروع الموصل، كزافييه لاسترا، طبيعة تلك المرحلة الأولى بالقول، "كنا في سباق مع الزمن: إصابات معقّدة وعمليات طارئة وأعداد كبيرة تحتاج إلى استجابة فورية، ولكن بعد الاستقرار النسبي، أصبح السؤال: كيف نجعل النظام الصحي هنا قادرًا على العمل من دون اعتماد مباشر علينا؟"

السياق العام لمشاريع أطباء بلا حدود في الموصل

منذ 2017 وعلى مدى ثماني سنوات، تنقّل عمل المنظمة بين الطوارئ وإعادة بناء نظام صحي أكثر صلابة. ففي السنوات الأولى، أنشأت فرقها مستشفيات ميدانية وقدّمت عمليات طارئة وخدمات إنعاش ورعاية مركزة، ثم انطلقت تدريجيًا نحو برامج أكثر تخصصًا: رعاية ما بعد العمليات ومعالجة الجروح المعقّدة وخدمات الولادة الآمنة والوقاية من العدوى ومكافحة مقاومة الميكروبات.

لم يعد الهدف تقديم الرعاية فقط، بل تأسيس طريقة جديدة للعمل. جاكي موركيزي، منسّقة الشؤون الطبية لأطباء بلا حدود في الموصل

ولم يقتصر العمل على تقديم الرعاية، بل شمل تدريب الكوادر وتنظيم مسارات العمل وترسيخ بروتوكولات واضحة داخل المستشفيات الحكومية. وحين انتقلت إدارة المشاريع إلى وزارة الصحة، كانت المعرفة الأساسية قد أصبحت بيد العاملين المحليين.

وبعد الانتقال من مرحلة الطوارئ الحادة إلى الاستقرار النسبي، تغيّر شكل العمل الطبي داخل المشاريع؛ فلم تعد المهمة مقتصرة على إدارة الحالات الحرجة فقط، بل التركيز على تكوين قدرة محلية مستدامة.

وفي هذا السياق، تقول منسّقة الشؤون الطبية لأطباء بلا حدود في الموصل، جاكي موركيزي، "لم يعد الهدف تقديم الرعاية فقط، بل تأسيس طريقة جديدة للعمل".

وقد ظهر هذا التحوّل داخل أقسام الجراحة والولادة والعناية المركزة، ثم امتدّ تدريجيًا إلى المستشفيات الحكومية مع انتقال الإدارة المحلية للمشاريع.

الأثر على العاملين: مهارات تتشكل ومسارات تنمو

عندما نتتبع أثر المشاريع داخل النظام الصحي، يظهر أن أكبر التحولات لم يكن في الأجهزة أو الأبنية، بل في الأشخاص الذين نشأوا مهنيًا داخل المشاريع. من بينهم د. علي قاسم محمد، الطبيب المسؤول عن برنامج الإشراف على مضادات المايكروبات، والذي التحق بالمنظمة عام 2017 واكتسب خبرة أعادت تشكيل فهمه لدور الطبيب. يقول، "كانت تجربة العمل مع أطباء بلا حدود أسلوب حياة. تعلّمت اتخاذ القرار في بيئات عالية الضغط، وتدرّبت على رؤية المسار العلاجي كاملًا، وليس المحدود بخطوة واحدة فقط."

انتقل د. علي من طبيب يعمل ضمن حدود اختصاص محدد إلى طبيب يمتلك فهمًا شاملًا يبدأ من الجراحة والعناية بالجروح، ويمتد إلى المضادات الحيوية ومكافحة العدوى والدعم النفسي. تراكمت هذه المعرفة عبر التدريب اليومي والإشراف المتخصص والعمل البحثي، مما مكّنه لاحقًا من تدريب غيره والمساهمة في الخطط الوطنية لمواجهة مقاومة المضادات.

د. علي قاسم محمد، طبيب التحق بأطباء بلا حدود منذ عام 2017 "كانت تجربة العمل مع أطباء بلا حدود أسلوب حياة. تعلّمت اتخاذ القرار في بيئات عالية الضغط، وتدرّبت على رؤية المسار العلاجي كاملًا، وليس المحدود بخطوة واحدة فقط".
Dr. Ali Qasim Mohammed

وفي عام 2018 انضمت فاطمة سالم يونس إلى فريق أطباء بلا حدود، وهي ما تزال طالبة تمريض في السنة الرابعة. بدأت مرحلة مثلت فيها مكافحة العدوى تحديًا إضافيًا. فتقول، "لم يكن هناك دليل واحد واضح لمكافحة العدوى. كنا نبدأ من الصفر."

واجهت فاطمة تحديات تتعلق بحداثة سنها ونقص الخبرة، لكنها سرعان ما اكتسبت ثقة أكبر عبر التدريب العملي المكثّف. جاءت جائحة كورونا لتُحدث تحولًا جذريًا؛ فتقول فاطمة، "قبل الجائحة، كانت الإجراءات تُعدّ عائقًا، وبعدها أصبحت أساسًا لا يمكن تجاوزه."

بعد مشاركة فاطمة في برنامج تدريبي متقدم حول الميكروبات المقاومة للمضادات، بدأت كمشرفة برنامج مكافحة العدوى، تقود تدريبات ميدانية في ثلاثة مستشفيات رئيسية. وتشير إلى نتائج ملموسة، "كانت نسب الالتزام تتراوح بين 22 في المئة و25 في المئة. وبعد البرنامج وصلت بعض المستشفيات إلى 40 في المئة وأخرى إلى 60 في المئة".

اليوم، تعمل فاطمة داخل النظام الصحي وتنقل المعرفة لجيل جديد، مستندة إلى قناعة تكررها دائمًا، "زكاة العلم نشره."

أما علي عبد الله أحمد، فقد بدأ رحلته مع المنظمة عام 2017 متنقلًا بين وحدات الإنعاش والعناية والطوارئ. ومع انتقاله إلى رعاية ما بعد العمليات، اكتسب خبرة واسعة في التعامل مع الجروح المعقدة. يقول علي، "تعلّمت تقييم الجروح بدقة وإزالة الأنسجة التالفة واستخدام تقنيات متقدمة وتحويل العمل إلى منهج يقوم على احترام المريض واتخاذ القرار المستند إلى الأدلة."

في عام 2018، أصبح علي مشرفًا على فريق التمريض، مشاركًا في تدريب كوادر جديدة وتطوير أساليب العمل. ومع تراكم الخبرة، أصبح مرجعًا محليًا في التعامل مع الجروح، ثم أسس عيادة متخصصة بعد انتهاء عمله مع المنظمة، معتمدًا على البروتوكولات التي اكتسبها.

الموصل تعالج نفسها

لا يُدرك الإرث المتبقي بالنظر إلى المباني والأجهزة، بل إلى تفاصيل العمل اليومي: في طريقة تبديل الضمادات ودقة الخطوات داخل غرف العمليات وتجربة المريض الإنسانية. فتقول موركيزي، "كان الأثر الأعمق إنسانيًا قبل أن يكون طبيًا، وخلقنا مساحات آمنة للفئات الأشد حاجةً".

ومع مرور الوقت، توضح جاكي أن المشاريع "ساعدت أيضًا في كسر الوصمة المتعلقة بالصحة النفسية وتنظيم الأسرة، وفتحت أبوابًا جديدة أمام النساء والمراهقين والعائلات".

وبينما بدأت ملامح التعافي تظهر داخل المستشفيات الحكومية، تطوي أطباء بلا حدود صفحة جديدة في عملها في الموصل مع تسليم مركز العبور الصحي إلى السلطات الصحية المحلية. ومع ذلك، لم يتوقف عمل المنظمة في المحافظة؛ إذ تواصل فرقها تقديم الدعم الطبي والإنساني في مستشفى نابلس الميداني، إلى جانب مشاريع أخرى في محافظات عراقية متعددة.

ومن مدينة خرجت من حرب مدمّرة إلى نظام صحي يستعيد عافيته تدريجيًا، شكّلت مشاريع أطباء بلا حدود دعامة أساسية سدّت فجوات كبيرة وأسست قدرة محلية قادرة على الاستمرار. يقول أحد العاملين الذين رافقوا المنظمة منذ البداية، "حين يصبح ما تعلمته جزءًا من طريقة عملك… فهذا يعني أن المشروع لم ينتهِ."

واليوم، يحمل العاملون في الموصل هذه التجربة معهم إلى المستشفيات الحكومية، يطبّقون مبادئها، يدربون غيرهم، ويصنعون ما يشبه "ذاكرة مهنية" جديدة داخل النظام الصحي في الموصل.

المقال التالي
لبنان
تصريح 17 أبريل/نيسان 2026