Skip to main content
Al Aqsa Hospital - Karin Huster
التقرير الدولي عن أنشطة أطباء بلا حدود لعام 2024

الحرب من قلب غرفة الطوارئ

تدفق المرضى المصابين بجروح خطيرة إلى مستشفى الأقصى بعد أن قصفت القوات الإسرائيلية المنطقة الوسطى من قطاع غزة، بما في ذلك مخيم النصيرات للاجئين، صباح يوم السبت 8 يونيو/حزيران 2024. فلسطين، في يونيو/حزيران 2024.
© Karin Huster/MSF
الحرب في غزة: اطّلع على استجابتنا
اقرأ المزيد

كنت أعمل كطبيب طوارئ مع منظمة أطباء بلا حدود في قسم الطوارئ بمستشفى الأقصى في دير البلح، غزة، فلسطين، عندما أُحضرت فتاتان صغيرتان، إحداهما تبلغ من العمر نحو سبع سنوات والأخرى خمس سنوات. كانت الكبرى قد فقدت ذراعها اليسرى من الكتف، أما الصغرى فكانت مغطّاة بالدماء، ولم أتمكّن في البداية من تحديد موضع إصابتها، لذا ركّزت جهدي عليها.

في البداية، راودني شيء من الأمل، إذ كانت مستلقية على ظهرها، من دون أن تبدو عليها إصابات واضحة، فظننت أن الدّماء التي تغطّيها تعود لأختها. لكن عندما قلبتها، رأيت أنّ جانبها الأيمن مفتوحٌ بالكامل ورئتيها ظاهرتان للعيان، تغطّيهما الشظايا والتراب، وتتحرّكان بسرعة مع كل نفس تلتقطه.

كنت أعلم أنّ المستشفى لا يضمّ جراحًا مختصًا في جراحة القلب والصدر، وحتى لو وُجد، كنت مدركًا أن فرص نجاتها ضئيلة. حاولت إيقاف النزيف، وضمدت جرحها قدر استطاعتي، ثم سارعت بنقلها إلى الجراحين المختصين بجراحة الأطفال. وبعد انتهاء العملية، رافقتها إلى وحدة العناية المركّزة، وبقيت إلى جانبها، أراقب حالتها وأُعدّل أدويتها، آملًا أن تنجو. حاول أحد زملائي أن يهيئني نفسيًا، لأنه كان يعرف أنّ احتمالات بقائها على قيد الحياة ضئيلةٌ للغاية.

وبالفعل، أيقظني زميلي بعد بضع ساعات. فارقت الطفلة الحياة قبل الصباح. 

حاول أحد زملائي أن يهيئني نفسيًا، لأنه كان يعرف أنّ احتمالات بقائها على قيد الحياة ضئيلةٌ للغاية. وبالفعل، أيقظني زميلي بعد بضع ساعات. فارقت الطفلة الحياة قبل الصباح.

علمتُ لاحقًا أنّ الفتاتين كانتا تفرّان مع والدهما ووالدتهما وأخيهما من شمال غزة، حين استهدفت غارة جوية سيارتهم. وقُتل معظم أفراد العائلة على الفور.

إن أعداد المصابين والقتلى، وطبيعة إصاباتهم، تفوق قدرة أي استجابة طبية طارئة؛ إذ لا يوجد مستشفى واحد يعمل بكامل طاقته. في كل أسبوع – وأحيانًا كل يوم – تستقبل المستشفيات العشرات، بل المئات من المصابين خلال دقائق معدودة، بإصابات قاتلة أو مغيّرة للحياة، ناتجة عن الغارات الجوية الإسرائيلية والقصف المدفعي والمتفجّرات عالية التأثير، بما في ذلك الحروق الشديدة وإصابات السحق تحت أنقاض المباني المنهارة والأطراف المبتورة.

حين كنتُ طالبًا في كلية الطب بغزة عام 2018، عايشتُ عن قرب مسيرات العودة الكبرى، حيث قوبلت الاحتجاجات على حدود القطاع بوابل من الرصاص الحي أطلقته القوات الإسرائيلية. ووفقًا لبيانات وزارة الصحة، فقد أُصيب أكثر من 7,900 شخص بالرصاص الحي بين مارس/آذار 2018 ونوفمبر/تشرين الثاني 2019. وبحلول نهاية ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، كانت منظمة أطباء بلا حدود قد عالجت أكثر من 900 مصاب بجروحٍ ناجمة عن الطلقات النارية. 
في ذلك الوقت، واجه الطاقم الطبي تحدّيات جسيمة، لم تقتصر على تعقيد الإصابات، بل شملت أيضًا نقص الخبرة في التعامل معها وشحّ الإمدادات الطبية وغياب الفحوصات اللازمة لتحديد العلاج المناسب، وخصوصًا في ظل ارتفاع معدّلات العدوى.

اليوم، أمسى الوضع أسوأ بكثير. مقارنةً بأي حرب عشناها من قبل، فإن دمار هذه الحرب لا يمكن للكلمات أن تصفه. لطالما عانينا في غزة من نقص في الإمدادات الطبية، لكن الآن أصبحت شبه منعدمة. لم أشعر قط بيأس مماثل، وأنا أعلم أننا كنا سننقذ أرواحًا كثيرة لو توفرت لدينا هذه المستلزمات.

نفعل كل ما بوسعنا، رغم إدراكنا أنّ جهودنا لا تكفي أبدًا. كل يوم، نُجبر على اتخاذ قرارات مستحيلة، ونرى مرضى يموتون أمام أعيننا من دون أن نستطيع إنقاذهم. 

لم أشعر قط بيأس مماثل، وأنا أعلم أننا كنا سننقذ أرواحًا كثيرة لو توفرت لدينا هذه المستلزمات.

وبعيدًا عن الاستجابة الطارئة، نرى أعدادًا صادمة من المصابين بجروح وحروق وإصابات أخرى تتطلّب رعاية معقّدة طويلة الأمد. بالإضافة إلى الجراحات الدقيقة، يحتاج الكثيرون إلى علاج للعدوى المقاومة للمضادات الحيوية وجلسات علاج فيزيائي وفحوصات منتظمة ودعم نفسي، فضلاً عن مساعدات عملية. ومع ذلك، يصبح توفير كرسي متحرك أو مرحاض أمرًا عديم الجدوى إذا كانت الطرق مسدودة بالأنقاض أو الرمال. فكيف يمكن للناس أن يتنقلوا وسط هذا الدمار؟

تتطلّب إعادة التأهيل طويلة الأمد بنية تحتية متكاملة وخبرات متخصصة ورعاية منسّقة، لكن في غزة نكافح فقط للحفاظ على حياة المرضى. نظام التأهيل الفعّال غائب، والمركز الوحيد لصنع الأطراف الصناعية مغلق، كما أنّ آليات إحالة المرضى من المراكز الصحية إلى المستشفيات غير متوفّرة. لذلك، يضطر المرضى للعيش بإعاقات كان من الممكن تفاديها.

أكثر من 90 في المئة من سكان غزة مشردون ونظام التعليم منهار والمياه النظيفة مفقودة والصرف الصحي متردٍ والأمن الغذائي في تدهور مستمر. كل جوانب الحياة متعثّرة والجراح الجسدية ليست سوى جزءًا من المعاناة، إذ ثمة أعباء نفسية ثقيلة. يعاني معظم سكان غزة – مصابين أو غير مصابين – من ضغط نفسي شديد واضطرابات ما بعد الصدمة وصدمة نفسية عميقة تغمرهم.

وتحاول المنظمات الإنسانية بذل جهود حثيثة، لكنها غير كافية. فالأمر لا يقتصر على الاستجابة الطبية الطارئة فحسب، بل هو مسألة بقاء وكرامة وإنسانية بحتة.

الأمر لا يقتصر على الاستجابة الطبية الطارئة فحسب، بل هو مسألة بقاء وكرامة وإنسانية بحتة.

ستستمر المعاناة في غزة طويلًا بعد توقّف القنابل. سيواجه الناس عمرًا كاملاً من المعاناة لمجرّد أننا لم نتمكّن من تقديم العلاج الذي يستحقّونه بسبب الحصار الإسرائيلي للقطاع. لذلك، يجب أن تكون المساعدات الإنسانية غير مقيّدة وشاملة ومستدامة، ما دامت الحاجة قائمة.

الشيء الوحيد الذي يبقينا صامدين هو يقيننا بأنّ مرضانا بحاجة إلينا، وأنّ توقّفنا عن العمل يعني موتهم. إنها معاناة أكثر منها صمودًا، لكن كعاملين في مجال الرعاية الصحية، تجاهلنا صدماتنا الخاصة. ولكن عندما تنتهي الحرب، سنضطر جميعًا لمواجهة واقع ما شاهدناه وفقدناه، وما لا يمكن استرجاعه. 

المقال التالي
أطباء بلا حدود