Skip to main content
Thousands Flee Sudan's Violence to Renk County
خيام العيادة المتنقلة تٌنصب في جيربانات، بمقاطعة الرنك، حيث لجأ آلاف النازحين بعد فرارهم من النزاع في السودان. جنوب السودان، في يناير/كانون الثاني 2025.
© Paula Casado Aguirregabiria/MSF

عامٌ على خفض المساعدات الأميركية: كيف تغيّر السياسات الأمريكية مقاربة الصحة العالمية والعمل الإنساني؟

خيام العيادة المتنقلة تٌنصب في جيربانات، بمقاطعة الرنك، حيث لجأ آلاف النازحين بعد فرارهم من النزاع في السودان. جنوب السودان، في يناير/كانون الثاني 2025.
© Paula Casado Aguirregabiria/MSF
الحرب في غزة: اطّلع على استجابتنا
اقرأ المزيد
  • لم تبدأ العواقب الضارة لجهود الإدارة الأمريكية لإعادة تشكيل مساعدات السياسة الخارجية الأمريكية في الظهور إلا بعد مرور عام.
  • على الرغم من أن منظمة أطباء بلا حدود لا تقبل تمويل الحكومة الأمريكية، إلا أن فرقنا تشهد الخسائر الفادحة الناجمة عن انسحاب الإدارة الأمريكية من المجتمعات التي تعاني من الأزمات.

نيويورك - قبل عامٍ من اليوم، أصدرت إدارة ترامب سلسلة من الإجراءات التنفيذية التي قلبت الموازين في برامج الصحة العالمية والبرامج الإنسانية حول العالم، وألحقت ضررًا بالغًا بالتعاون والتضامن الدوليين في هذين المجالين. فقد أُغلِقت عيادات، وعَلِقت أدوية منقذة للحياة في الموانئ، وفَقَد عاملون في القطاع الصحي وظائفهم. وكانت الكلفة الإنسانية كارثية.

وطوال عام 2025، كانت أطباء بلا حدود شاهدة على الأثر الهائل لهذه الإجراءات. واليوم، وبعد عام على اتخاذها، وإذ نستحضر من طالتهم تداعياتها، نحذّر من أنّ عواقب هذه المساعي لإعادة تشكيل المساعدات الخارجية الأميركية لم تبدأ بالانكشاف إلّا الآن.

وفي هذا الصدد، يشرح مدير المناصرة لسياسات الصحة العالمية مع أطباء بلا حدود في الولايات المتحدة الأمريكية، نيهير منكد، "فيما لا يزال العالم يترنّح تحت وطأة خفض المساعدات، بات من الواضح أنها لم تكن سوى الطلقة الافتتاحية لإدارة ترامب في إعادة تشكيل الصحة العالمية والمساعدات الإنسانية".

فيما لا يزال العالم يترنّح تحت وطأة خفض المساعدات، بات من الواضح أنها لم تكن سوى الطلقة الافتتاحية لإدارة ترامب في إعادة تشكيل الصحة العالمية والمساعدات الإنسانية. نيهير منكد، مدير المناصرة لسياسات الصحة العالمية مع أطباء بلا حدود في الولايات المتحدة الأمريكية

ويضيف، "لطالما اختلفت أولويات وأجندات الإدارات المتعاقبة في ما يتعلّق بالصحة العالمية، لكن ما نشهده اليوم هو انحراف صادم عن المبدأ الأساسي القاضي بأن توفير الرعاية الإنسانية الأساسية ومكافحة الأوبئة وسوء التغذية والأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات ودعم أكثر مجتمعات العالم تهميشًا هي قضايا وجيهة وجوهرية".

وعلى الرغم من أنّ أطباء بلا حدود لا تتلقّى تمويلًا من الحكومة الأميركية، فقد شهدت فرقنا خلال عام 2025 التأثيرات المدمّرة لانسحاب الحكومة الأميركية من المجتمعات التي نخدمها.

ففي الصومال، أدّى انقطاع المساعدات إلى توقّف شحنات الحليب العلاجي على مدى أشهر. وارتفع عدد الأطفال الذين أُدخلوا إلى المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود ويعانون من سوء تغذية شديد من 1,937 خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024 إلى 3,355 خلال الفترة نفسها من عام 2025. وفي مستشفى بيدوا باي الإقليمي وحده، ارتفعت الوفيات بين الأطفال المصابين بسوء تغذية شديد بنسبة 44 في المئة في النصف الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وقد وقعت 47 في المئة من الوفيات خلال اليومين الأولين من وصول الأطفال إلى المستشفى، بسبب خطورة حالتهم.

وفي مستشفى مقاطعة الرنك بجنوب السودان، أدّت التخفيضات في التمويل إلى إجبار إحدى منظمات الإغاثة، بشكل مفاجئ، على وقف دعم 54 من العاملين في المستشفى في شهر يونيو/حزيران، ما خلّف فجوات خطيرة في خدمات رعاية الأمومة. ونتيجةً لنقص الرعاية الطبية خلال فترتي الحمل والولادة، استقبل جناح الأطفال الذي تُديره أطباء بلا حدود في المستشفى عددًا متزايدًا من الرّضع الذين وُلدوا بأوزان شديدة الانخفاض، إلى جانب احتياجات طبية أخرى. واستجابةً لذلك، بدأت أطباء بلا حدود بدعم جناح الأمومة في سبتمبر/أيلول 2025.

أما في جمهورية الكونغو الديموقراطية، فقد أدّى تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إلى إلغاء طلب يضمّ 100,000 مجموعة من مستلزمات الرعاية لما بعد الاغتصاب، كانت تشمل أدوية للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية وغيره من الأمراض المنقولة جنسيًا. وتشهد فرق أطباء بلا حدود مستويات شديدة من العنف الجنسي في البلاد، إذ قدّمنا الرعاية إلى 28,000 ناجٍ وناجية في النصف الأول من عام 2025 وحده. واضطررنا إلى ترتيب عمليات شراء غير مخطّط لها للعلاج الوقائي بعد التعرّض لفيروس نقص المناعة البشرية، استجابةً لفجوات الإمداد في مقاطعة شمال كيفو.

لا تشكّل هذه الأمثلة، إلى جانب أمثلة عديدة أخرى خلال العام الماضي، مجرّد تخفيضات في الميزانيات، بل تشير إلى تحوّلٍ جوهري في كيفية تفاعل الولايات المتحدة الأمريكية مع العالم، وفي تصوّرها لدورها فيه. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، أصدرت إدارة ترامب استراتيجية "أميركا أولًا للصحة العالمية"، التي تضع الولايات المتحدة في موقعٍ يتّسم بتراجعٍ حادّ لدورها في مجال الصحة العالمية.

وتتّصف هذه الاستراتيجية بالضيق وقصر النظر، إذ تُعيد توجيه السياسة الأميركية نحو مقاربة مضلِّلة للاستجابة لتفشّي الأمراض، ومن المرجّح أن تكون غير فعّالة. هذا ولا تأتي الاستراتيجية على ذكر مجالات رئيسية لطالما اضطلعت فيها الولايات المتحدة بدورٍ قيادي عالمي، مثل الصحة الجنسية والإنجابية والتغذية والأمراض غير السارية.

وللشروع في تنفيذ استراتيجية "أمريكا أولًا للصحة العالمية"، دخلت الإدارة في مفاوضات متسارعة لإبرام سلسلة من الاتفاقيات الثنائية مع الحكومات التي تتلقى مساعدات صحية أمريكية. وستشكّل هذه الاتفاقيات العمود الفقري لنهجٍ جديد في الصحة العالمية، نهجٌ يقوم على منطقٍ تبادليّ تفاوضي صريح، يُصاغ خلف أبوابٍ مغلقة، من دون أي إشراك للمجتمع المدني أو للمجتمعات التي تُعدّ صحتها ورفاهها على المحكّ.

وتزعم الإدارة أنّ هذا النهج يعزّز تولّي الدول لزمام شؤونها ويقوّي سيادتها، فيما تمارس الحكومة الأميركية في المقابل ضغوطًا متزامنة على الحكومات المتلقّية للمساعدات لتقييد الوصول إلى الخدمات وفق اعتبارات أيديولوجية، خصوصًا للفئات المهمَّشة وفي مجال الصحة الجنسية والإنجابية.

ويوضح منكد، "إنّ الحديث عن اتفاقيات تعزّز تولّي الدول لزمام شؤونها هي ادعاءات جوفاء، ففي الوقت نفسه، يُبلغ مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية الدول صراحةً بأنّ الحصول على المساعدات الصحية العالمية مشروط باستعدادها لإبرام صفقات معادن مع الولايات المتحدة".

ويردف قائلًا، "يجب أن تسترشد المساعدات الصحية العالمية بالاحتياجات الصحية الفعلية والأدلة الطبية السليمة وعلوم الأوبئة، لا بحسابات سياسية فجة، أو بمنطق الاستخراج الاقتصادي، أو الإكراه الأيديولوجي".

كانت تخفيضات عام 2025 مدمِّرة، غير أنّ ما يتبلور اليوم هو إعادة صياغة جذرية لأسباب وكيفية تقديم الولايات المتحدة للمساعدات، ولطريقة انخراطها مع العالم عمومًا في قضايا الصحة والعمل الإنساني.

المقال التالي
جنوب السودان
بيان صحفي 21 يناير/كانون الثاني 2026