أدلت اختصاصية في مجال الصحة النفسية في أطباء بلا حدود في الضفة الغربية بفلسطين، والتي طلبت عدم الكشف عن هويتها، بشهادتها حول المخاوف اليومية التي يعيشها الناس في الخليل.
لم يكن العنف غريبًا يومًا عن المشهد في الضفة الغربية بفلسطين، لكنّ الأوضاع ازدادت سوءًا بشكل كبير منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول. فقد شهدنا تصعيدًا حادًا تمثّل في انتشار نقاط التفتيش وحواجز الطرق وتوغّلات القوات الإسرائيلية والمستوطنين التي قطّعت أوصال البلدات الفلسطينية بعضها عن بعض.
وتحول هذه القيود دون تمكّن الفلسطينيين من الوصول إلى الخدمات الأساسية، مثل الرعاية الصحية والأسواق والمدارس.
بصفتي معالجة نفسية أعمل مع أطباء بلا حدود في الخليل، أرى عن قرب كيف يتنامى الخوف الذي يعيشه الناس يومًا بعد يوم. الخوف حاضر في كل مكان، وبات يشلّ حياة الفلسطينيين. فهم لا يشعرون بالقلق فقط، بل يستعدّون لاحتمال الفقد في أي لحظة.
يقول لنا مرضانا في كثير من الأحيان إنّهم عندما يشاهدون صورًا للناس في غزة وهم يجمعون ما تبقّى من رفات أحبائهم، لا يسعهم إلا أن يفكروا، "عندما أموت، أريد أن أموت مع عائلتي". هذه ليست أفكارًا عابرة، بل محاولات يلجأ إليها العقل لاستيعاب هذا الكمّ من الرّعب. وبدلًا من التخطيط لمستقبلهم ومستقبل أطفالهم، يركّز الكثيرون على تخيّل الطريقة الأقل إيلامًا للموت، ويتمنّون أن يأتيهم الموت دفعة واحدة وألّا يترك أحدًا وراءه.
بدلًا من التخطيط لمستقبلهم ومستقبل أطفالهم، يركّز الكثيرون على تخيّل الطريقة الأقل إيلامًا للموت، ويتمنّون أن يأتيهم الموت دفعة واحدة وألّا يترك أحدًا وراءه.
في الضفة الغربية، يسود شعور متزايد بأنّ أمرًا فظيعًا على وشك الحدوث، من دون أن يعرف أحد كيف سيقع أو متى. إنه وعي جماعي ثقيل، قلق صامت يلازم الناس أينما ذهبوا. يقولها الناس علانية، "بدأوا في غزة، ثم انتقلوا إلى شمال الضفة الغربية. الأمر مسألة وقت قبل أن يحين دورنا. وسواء كنت اختصاصيًا نفسيًا أو مزارعًا، الجميع يلمس هذا الشعور. نحن جميعًا ننتظر دورنا.
وفي عياداتنا، نرى عن كثب أعراض الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة. تختلف الأعراض من شخص إلى آخر، لكنّ أنماطها تتكرّر بوضوح. فالرجال، خصوصًا من فقدوا مصادر دخلهم، يُظهرون أعراض جسدية ذات منشأ نفسي بشكل أكبر. فمن الأسهل اجتماعيًا أن يقولوا "أشعر بألم في معدتي" بدلًا من أن يبوحوا بشعورهم بالخوف. لكنّ الخوف واليأس هما الجذور الفعلية لما يعبّرون عنه، ويمكن رؤية هذا الخوف جليًا في عيونهم.
تبوح لنا الأمهات بأفكار مرعبة. فعندما يتخيّلن احتمال التعرّض لهجوم من المستوطنين، تنطلق مخيلتهنّ في سباقٍ للتأكد من ألا يُترك أحد خلفهنّ. قالت لي إحدى الأمهات، "كلّما خطَر في بالي أنّ الأمر قد يحدث، أكرّر في داخلي: يجب أن آخذ جميع أطفالي. لا يمكن أن أنسى أيًّا منهم".
بات الفلسطينيون مُثقَلين لدرجة أنهم باتوا يخافون من الحضور إلى عيادات أطباء بلا حدود المتنقّلة حتى عندما تصبح في مناطق قريبة منهم. فالرعب من عبور الحواجز بات أكبر من حاجتهم إلى المساعدة الطبية، نفسيةً كانت أو جسدية. وخيارهُم بالبقاء في المنازل لا ينم عن عدم مبالاة، بل عن خوف.
يسود اعتقاد واسع بأنّ المستوطنين أو الجنود يمكن أن يقتحموا المكان في أيّ لحظة، فقط لمجرّد أن شخصًا ما كتب منشورًا على فيسبوك أو تحدّث مع أحد الجيران. في هذا الوضع، تُداهَم الطرقات المؤدية إلى المنازل، ويُعتقَل الفلسطينيون على أيدي القوات الإسرائيلية بطرق شديدة الإهانة. لا توجد قواعد تحكم ما يحدث. يفرض هذا الواقع على الناس حالة استعداد دائمة، فهم مستعدّون للفرار في أي وقت، كما يتوقعون احتمال النزوح أو الاعتقال في أي لحظة. وهذا الترقّب المتواصل يغذّي القلق الذي نراه لدى كل مريض تقريبًا.
هذه ليست أزمة عابرة. إنها صدمة قاسية وممتدة تتوارثها الأجيال، ويُجبَر الفلسطينيون في الضفة الغربية على عيشها يومًا بعد يوم. وفي هذا التآكل البطيء للأمان والكرامة والأمل، تتدهور الصحّة النفسية بصمت، ولكن بعمق شديد.