Skip to main content
Chad: medical care in a conflict
التقرير الدولي عن أنشطة أطباء بلا حدود لعام 2024

بناء الأدلة في أوقات الأزمات: كيف تُعدّ عملية جمع البيانات أداة حيوية للاستجابة الطبية والإنسانية

مسؤول التوعية الصحية في أطباء بلا حدود، عبد الله أ.، يتلقى معلومات أمام عيادة أطباء بلا حدود في مخيم أدري المؤقت. تشاد، في أغسطس/آب 2024.
© Ante Bussmann/MSF
الحرب في غزة: اطّلع على استجابتنا
اقرأ المزيد

تجمع منظمة أطباء بلا حدود كميات ضخمة من البيانات كجزء من استجاباتها الطبية والإنسانية. فالعمل في بيئات منخفضة الموارد لا يُعفينا من مسؤولية توثيق أعمالنا بدقة. منذ لحظة وصول المريض، نقوم بإنشاء سجل خاص به، يتبعه تقرير مفصّل للاستشارة الطبية. وإذا استدعت حالته الدخول إلى المستشفى، يُفتح له ملف طبي كامل.

وتُعدّ هذه السجلات أساسية لمتابعة حالة المرضى ولمراقبة الأنشطة وضمان المساءلة – سواء تجاه السلطات المحلية أو الجهات المانحة. كما تتيح لنا هذه البيانات قياس حجم استجاباتنا وتخصيص الموارد بفعالية، والأهم من ذلك، تقييم جودة الرعاية التي نقدمها والعمل على تحسينها. ولهذا الغرض، أنشأنا في عام 1986 مركز الأبحاث الوبائية التابع لأطباء بلا حدود، "إبيسنتر"، حيث أعمل حاليًا.

في العديد من الأزمات، تكون منظمة أطباء بلا حدود الجهة الوحيدة التي توفّر الرعاية الصحية للمجتمعات المعزولة أو المتضرّرة من النزاعات. ويمنحنا هذا الوصول الفريد مسؤوليةً جسيمة. فإلى جانب جمع البيانات الروتينية، نحتاج في كثير من الأحيان إلى جمع معلومات إضافية لمعالجة مسائل طبية وإنسانية ملحّة. إذ يقع على عاتقنا واجبٌ لا يقتصر على علاج المرضى فحسب، بل يشمل أيضًا تطوير المعرفة التي تُحسّن أوضاعهم. 

تساعد هذه البيانات في الإجابة على أسئلة بحثية رئيسية: ما هي عوامل خطر الإصابة بالمرض؟ ما مدى فعالية أي علاج أو لقاح جديد في بيئاتنا؟

تساعد هذه البيانات في الإجابة على أسئلة بحثية رئيسية: ما هي عوامل خطر الإصابة بالمرض؟ ما مدى فعالية أي علاج أو لقاح جديد في بيئاتنا؟ كما تتيح لنا تحديد حجم تفشي المرض أو الأزمة بشكل موضوعي وتمثيلي. ومع ذلك، فإن جمع بيانات موثوقة وقابلة للتفسير في ظل ظروفٍ قاسية، مثل تفشي فيروس الإيبولا أو في مناطق الحرب النشطة، يمثل تحديًا كبيرًا. دعونا نتناول مثالين بمزيد من التفصيل.

الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية 

في عام 2018، ظهر وباء الإيبولا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. وفي غضون أيام، أرسلت منظمة أطباء بلا حدود خبيرَي أوبئة، ريبيكا كولبورن وأنا، لدعم جهود الاستجابة. كانت إحدى أولوياتنا الرئيسية هي إنشاء نظام لجمع بيانات المرضى يتّسم بالدقة والتطبيق العملي، مع الالتزام بالمعايير الأخلاقية والطبية.

كان من الضروري أن يكون النظام شاملاً بما يكفي لوصف تفشي المرض والمرضى المتأثرين به، وأن يكون موجزًا أيضًا ويركز على أسئلة أساسية: عمر المريض وجنسه ومكان إقامته وأعراضه وتاريخ ظهورها وحالات التعرّض المحتملة وسجلات المخالطة وحالة التطعيم ونتائج المختبر وتطوّر حالة المرض.

ويكتسي الإيجاز أهميةً بالغة، إذ يُجري العاملون في مجال الرعاية الصحية المقابلات وهم يرتدون معدّات واقية غير مريحة لا يمكن ارتداؤها إلا لفترةٍ محدودة. ويحتاج المرضى إلى رعاية سريعة في بيئة طوارئ تتطلّب التوفيق بين أولويات متعددة، مثل إعداد الرعاية السريرية والمراقبة وتتبّع الاتصال وضمان استمرارية عمل المرافق الصحية لتلبية احتياجات أخرى من دون أن تتحوّل إلى مصدر لانتقال العدوى. 

أنشطة أطباء بلا حدود في أوغندا
طبيب من مركز إيبيسنتر، مركز الأبحاث الوبائية لمنظمة أطباء بلا حدود، يُجري فحصًا لأم في إطار دراسة تهدف إلى تحسين تشخيص مرض السل لدى الأطفال. مبارارا، أوغندا، في سبتمبر/أيلول 2024.
Stuart Tibaweswa

وقد اعتمدت وزارة الصحة أداة جمع البيانات هذه بسرعة، وجرى تطبيقها في جميع مراكز علاج الإيبولا، ما ساهم في تحسين رعاية المرضى وتعزيز جهود السيطرة على التفشي. وبعد انتهاء الوباء، قمنا بمراجعة البيانات للتحقّق من اتّساقها وتصحيح أخطاء الإدخال واستبعاد السجلات غير الموثوقة (مثل الحالات التي تم فيها تسجيل مريض ذكر على أنه حامل). وقد أصبحت قاعدة البيانات المُنقّحة هذه مصدرًا لا يقدّر بثمن للتحليلات المتقدمة، إذ قدّمت دليلًا على الفعالية1 العالية للقاح الإيبولا في سياق التفشي. كما اكتشفنا أنّ اللقاح، حتى عند إعطائه في وقت متأخر جدًا لمنع الإصابة، ساهم في خفض خطر الوفاة إلى النصف2 لدى المرضى الذين دخلوا المستشفى.

الحرب في السودان

لا يقتصر عمل خبرائنا في علم الأوبئة على تفشي الأمراض فحسب، بل يشمل أيضًا الأزمات الإنسانية الناجمة عن النزاعات. عندما اندلعت الحرب في السودان عام 2023، كانت التغطية الإعلامية محدودة، على الرغم من تحوّل النزاع إلى أسوأ كارثة إنسانية في العالم. وبما أنّ فرق أطباء بلا حدود كانت تعمل في صميم الأزمة، وقد هزّها عمق المعاناة التي شهدتها، فقد شعرت بمسؤولية ملحّة لتوثيق حجم الكارثة وعدد الضحايا. كما كان لا بد من تقييم الاحتياجات العاجلة للرعاية الطبية والغذاء والماء والمأوى.

في مثل هذه الحالات، نعتمد على بروتوكولات موحّدة طُوّرت وصُقِلت عبر التجارب السابقة. نُجري مقابلات مع أفراد بالغين من كل أسرة ضمن عينة ممثّلة من السكان، ونسألهم عن الوفيات التي حدثت في منازلهم منذ بداية النزاع وعن حوادث العنف والأمراض التي أُصيبوا بها مؤخرًا وظروفهم المعيشية. أما بالنسبة للأطفال، فنراجع سجلات تطعيماتهم ونستخدم أدوات بسيطة لتقييم حالة سوء التغذية لديهم. لكن، كيف يمكن تنفيذ مثل هذه الدراسات في ظلّ حرب قائمة؟

تشاد: الرعاية الطبية خلال النزاعات -44
عائشة ب. التي تعمل في مجال التوعية الصحية ترافق عائشة ج. إلى عيادة أطباء بلا حدود في مخيم العبور في أدري. شرق تشاد، في 30 يوليو/تموز 2024.
Ante Bussmann/MSF

تُعدّ سلامة فرقنا أولوية قصوى، ما يستوجب منّا دومًا التوفيق بعناية بين جمع البيانات وبين التركيز على تقديم الرعاية الطبية العاجلة وتوزيع المساعدات الإنسانية. في السودان، استطعنا تجاوز هذا التحدي من خلال إجراء مقابلات مع عائلات فرّت من ويلات النزاع ولجأت إلى تشاد أو عادت إليه. وقد وفّرت هذه المقابلات معلومات حيوية حول ما عايشوه قبل النزوح وأثناءه، إضافةً إلى واقعهم المعيشي الراهن.

كانت النتائج صادمة: ففي إحدى مدن دارفور، قُتل أكثر من رجل بالغ من بين كل عشرين رجلاً في أعمال العنف. وقد ساهمت هذه البيانات في إعلام المنظمات الإنسانية الدولية وتسليط الضوء على حجم الأزمة لدى صانعي السياسات والرأي العام.

تجاوز تحديات جمع البيانات في الأزمات

سواءً كنا نواجه أوبئة أو كوارث طبيعية أو نزاعات مسلّحة، فإن جمع معلومات موثوقة وقابلة للتفسير في سياقات الأزمات يبقى مهمة بالغة التعقيد ومحفوفة بالمخاطر. ومع ذلك، فإن غياب البيانات يحول دون تقييم الاحتياجات بدقة وتحسين الاستجابات وتوثيق معاناة المجتمعات المتضررة. فللتغلّب على العقبات اللوجستية والأمنية، نبتكر باستمرار وسائل بديلة لجمع المعلومات.

ففي الأماكن التي يصعب التنقّل فيها بسبب المخاطر الأمنية، ولكن تظل شبكات الاتصال فيها فاعلة – كما في بورت أو برانس في هايتي أو غزة في فلسطين – نجري استطلاعات عبر الهاتف. أما في موريتانيا، فنستخدم صور الأقمار الصناعية لتقدير أعداد السكان النازحين وتوزّعهم. أما في شمال نيجيريا، فنراقب وسائل التواصل الاجتماعي لرصد المؤشرات الأولى لتفشي الأمراض. وفي القرى النائية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، نتعاون مع المعلّمين لتقييم معدلات تغطية تطعيمات الأطفال.

ليست هذه الجهود اختيارية، بل ضرورية. إذ يُعدّ جمع البيانات وتحليلها في أوقات الأزمات ركيزة أساسية لتحسين الاستجابة الإنسانية وضمان إيصال صوت المتضرّرين. وعلى الرغم من كلّ التحدّيات، فإننا نواصل التزامنا بهذا العمل، لأننا نعلم أنّ المعلومات الأفضل تُفضي إلى استجابات أفضل، وفي نهاية المطاف، إلى نتائج أفضل لمن في أمسّ الحاجة إليها. 

المقال التالي
أطباء بلا حدود