Skip to main content
SF supported Darayya health facility
مرشد صحي من أطباء بلا حدود يتحدث مع روان جمال الدين بعد فحص تحليل الدم في مركز داريا للرعاية الصحية في ريف دمشق. سوريا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. 
© Zahra Shoukat/MSF

دعم أهالي داريا على الوصول إلى الرعاية الصحية بعد سنوات من الحرب

مرشد صحي من أطباء بلا حدود يتحدث مع روان جمال الدين بعد فحص تحليل الدم في مركز داريا للرعاية الصحية في ريف دمشق. سوريا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. 
© Zahra Shoukat/MSF

في أواخر عام 2024، بدأت عائلات في سوريا بالعودة إلى أماكن لم تزرها منذ سنوات خلال الحرب. وبالنسبة للكثيرين، أعقبت رحلة العودة إلى بلدات مثل داريا في ريف دمشق سنواتٍ من النزوح، تنقّلوا خلالها بين ملاجئ مؤقتة وبلدات مكتظّة وتجمّعات سكنية غير رسمية بحثًا عن الأمان. هذا ولم يكن قرار العودة سهلًا في معظم الأحيان، بل دفعت إليه حالة الإنهاك وقلّة الخيارات، إلى جانب أمل الناس في إعادة بناء حياتهم.

في داريا، وجد العائدون بلدةً تشبه بالكاد المكان الذي عرفوه يومًا. أحياءٌ كاملة تحوّلت إلى أنقاض، ومنازل مكشوفة للسماء، وجدران اسودّت بفعل النيران، وممتلكات اختفت منذ زمن. شوارع كانت تعجّ بالحياة صارت صامتة، والخدمات الأساسية لم تعد متوفّرة.

وفي هذا الصدد، يقول عماد، وهو والد طفل مريض كان ينتظر دوره في مركز داريا للرعاية الصحية الأساسية، "رجعنا عندما لم يعد لدينا أي مكان آخر نذهب إليه. غير أنّ البدء من جديد على هذا النحو كان أصعب مما تصوّرنا".

كان غياب الرعاية الصحية مصدر قلقٍ بالغ على وجه الخصوص بالنسبة للعائلات التي تحاول البدء من جديد، فقد تركت سنواتٌ من الدمار والإهمال المرافقَ الطبية غير صالحة للاستخدام. وبعد تكبّد فترات طويلة من النزوح وتوقّف العلاج، وجد العائدون أنفسهم في بلدة بلا خدمات صحية، ما يعني مواجهة مخاطر جديدة فيما كانت الموارد محدودة في الأساس.

داريا، ريف دمشق
مشهد لمباني مهدّمة في داريا، ريف دمشق. سوريا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
Zahra Shoukat/MSF

عودة تُثقلها احتياجاتٌ ملحّة

مع استعادة إمكانية الوصول إلى داريا، قيّمت أطباء بلا حدود احتياجات العائلات العائدة إلى المدينة، وسرعان ما تبيّن أن تأمين قدرات الوصول إلى الرعاية الصحية يشكّل أولوية قصوى، فقد أمضى كثيرون سنوات من دون رعاية طبية موثوقة، واضطرّوا إلى التعايش مع المرض والحمل وحالات الطوارئ بأنفسهم، أو إلى قطع مسافات طويلة بحثًا عن المساعدة.

وعلى مدى ثمانية أشهر، عملت أطباء بلا حدود بشكل وثيق مع مديرية الصحة للمساهمة في استعادة الخدمات الصحية الأساسية في داريا، وقد أُعيد تأهيل مركز داريا للرعاية الصحية الأولية، كما أُنشئت غرفة طوارئ مجهّزة بالكامل. وفي هذا السياق، عالجت أطباء بلا حدود النقص في الإمدادات الطبية ومعدات التشخيص والكوادر، بما أتاح تقديم خدمات شاملة في مجال الرعاية الصحية الأولية.

بات لدى سكّان داريا اليوم ما افتقدوه طويلًا، مكانٌ قريبٌ من منازلهم يمكن للأهل أن يصطحبوا إليه طفلهم المريض، وأن يتلقّى فيه المصابون بأمراض مزمنة رعاية منتظمة، وأن تقصده النساء الحوامل للاستشارة الطبية، ويحصل فيه الجرحى على إسعافات طارئة. وكان هدف أطباء بلا حدود أن تضمن استدامة هذه الخدمات من مديرية الصحة بعد انسحابها..  

أنشطة أطباء بلا حدود في سوريا
مرشدتنا الصحية علا تتحدث مع الأشخاص في غرفة انتظار مركز داريا للرعاية الصحية. هنا، تُصغي لهموم الأشخاص وتوعيهم وتشرح لهم عن أنشطتنا في المركز. سوريا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
Asil Sari/MSF

إعادة الرعاية الصحية إلى داريا والاستجابة لاحتياجات الناس

لم تقتصر جهود أطباء بلا حدود في داريا على علاج المرضى فحسب، فقد عمل الفريق بشكل وثيق مع مديرية الصحة لإعادة تشغيل الخدمات والاستجابة لاحتياجات صحية غالبًا ما تُهمَل في أوقات النزاع، ولا سيّما التي تطال النساء والفتيات.

وفي هذا السياق، عملنا على تعزيز خدمات الصحة الجنسية والإنجابية لتوفير الرعاية الصحية أثناء الحمل وبعده، فضلًا عن خدمات تنظيم الأسرة ودعم الناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

ويشرح منسّق مشروع أطباء بلا حدود في مركز داريا للرعاية الصحية الأولية في ريف دمشق والمحافظات الجنوبية، جيتنت إلياس، "كان هدفنا التأكّد من أنّ النساء والفتيات يقدرن على الوصول إلى الرعاية بأمان وكرامة، حتى بعد سنوات من الانقطاع".

وبالنسبة للنساء مثل منيرة، وهي مريضة تبلغ 69 عامًا، كانت عودة الخدمات تبعث على الارتياح، فتقول، "أستطيع أخيرًا أن آتي إلى هنا لإجراء فحوصاتي، وأعرف أنّ أطفالي سيحصلون على الرعاية أيضًا".

أستطيع أخيرًا أن آتي إلى هنا لإجراء فحوصاتي، وأعرف أنّ أطفالي سيحصلون على الرعاية أيضًا. منيرة، امرأة من أهالي داريا

وفي سياق تطبعه الخسارة والفقر، أسهمت هذه الخدمات في استعادة الكرامة والأمان والقدرة على الاختيار.

شكّلت الرعاية النفسية عنصرًا أساسيًا في استجابة أطباء بلا حدود، فقد خلّفت سنوات من العنف والنزوح وانعدام اليقين جروحًا نفسية عميقة لدى كثير من السكّان، وعليه، يقدّم مركز داريا للرعاية الصحية الأولية جلسات إرشاد ودعم نفسي اجتماعي، موفّرًا مساحة آمنة للأفراد والعائلات لمشاركة تجاربهم، وإيجاد سبل للتكيّف مع التوتّر والخسارة، وبدء مسار التعافي.

وتوضح مديرة أنشطة الصحة النفسية مع أطباء بلا حدود، ماريون روبنسون، "في داريا، لا تقتصر الرعاية النفسية على العلاج فحسب، بل تتمثّل في مدّ طوق نجاة لأشخاص خسروا الكثير. يتمثّل دوري في توجيه فريقي لمساعدة الناس ليس فقط على التعافي، بل على إيجاد طريقهم للعودة إلى ذواتهم وإلى مجتمعاتهم، وإعادة بناء الأمل حيث بدا لهم أنه قد ضاع".

بالنسبة للمرضى الذين يحتاجون إلى علاج متقدّم، تعاون فريقنا مع مديرية الصحة على إرساء مسارات إحالة إلى مستشفيات دمشق. وقد أتاح ذلك ضمان الوصول في الوقت المناسب إلى الرعاية المتخصّصة، مع تعزيز النظم والبروتوكولات الصحية المحلية في الوقت نفسه.

أنشطة أطباء بلا حدود في سوريا
الممرضة نوال من مديرية الصحة تقيس طول حنان للحرص على نسبة نمو طبيعية في عيادة طب الأطفال في مركز داريا للرعاية الصحية، ريف دمشق. سوريا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
Asil Sari/MSF

بناء رعاية آمنة وجديرة بالثقة يدًا بيد

لم تكن إعادة تشغيل الرعاية الصحية في مركز داريا للرعاية الصحية الأولية مجرّد إعادة فتح للمرافق، بل كانت أيضًا عملية لإعادة بناء الثقة، فقد عملت أطباء بلا حدود جنبًا إلى جنب مع مديرية الصحة لتعزيز تدابير الوقاية من العدوى ومكافحتها، وتحسين أنظمة المياه والصرف الصحي، وتدعيم معايير سلامة المرضى. كما تلقّى الفريق الصحي المحلي تدريبًا عمليًا ودعمًا مستمرًا، ما أسهم في استعادة الثقة بالخدمات التي غابت أو افتقرت إلى الموثوقية لسنوات طويلة.

هذا وأدّت الأنشطة المجتمعية دورًا أساسيًا في هذا السياق، فمع استقرار الخدمات، بدأ عدد متزايد من المرضى بالتردد إلى مركز داريا، وليس في حالات الطوارئ فحسب، بل أيضًا لإجراء الفحوصات الدورية والمتابعات الطبية والحصول على الرعاية الوقائية. قد عكس تجدّد الثقة هذا جهدًا مشتركًا والتزامًا متبادلًا بين أطباء بلا حدود ومديرية الصحة بتقديم رعاية قائمة على الاحترام والموثوقية، وخلال فترة تنفيذ المشروع، قدّمت عيادات المركز الرعاية لأكثر من 30,000 مريض.

نموذج تعاوني وانتقال سلس

منذ البداية، صُمِّمت استجابة أطباء بلا حدود في داريا بالتنسيق الوثيق مع مديرية الصحة، مع تركيز واضح على تعزيز القدرات المحلية وضمان الاستدامة، وبحلول نهاية فترة الاستجابة التي استمرّت ثمانية أشهر، كان مركز داريا للرعاية الصحية الأولية وغرفة الطوارئ يعملان بكامل طاقتهما، بدعم من فريق مدرَّب وبوجود مسارات إحالة مُعتمدة وبروتوكولات سلامة مُحسَّنة.

ومع استئناف جهات صحية أخرى أنشطتها في داريا، أعدّت أطباء بلا حدود انتقالًا تدريجيًا للمسؤوليات، شمل التدريب والإرشاد والدعم التقني، بهدف ضمان استمرارية الخدمات. وقد أظهر هذا التعاون كيف يمكن للمنظمات الإنسانية والسلطات الصحية المحلية أن تعمل معًا لردم الفجوات بين مراحل التعافي، ووضع الأسس لرعاية تقودها الجهات المحلية.

المقال التالي
سوريا
بيان صحفي 28 فبراير/شباط 2026